الغزالي
46
المستصفى
شخص استقبحه ، ورب شخص ينفر عنه طبع ويميل إليه طبع فيكون حسنا في حق هذا قبيحا في حق ذاك ، حتى يستحسن سمرة اللون جماعة ، ويستقبحها جماعة ، فالحسن والقبح عند هؤلاء عبارة عن الموافقة والمنافرة ، وهما أمران إضافيان ، لا كالسواد والبياض ، إذ لا يتصور أن يكون الشئ أسود في حق زيد ، أبيض في حق عمرو . الاصطلاح الثاني : التعبير بالحسن عما حسنه الشرع بالثناء على فاعله ، فيكون فعل الله تعالى حسنا في كل حال خالف الغرض أو وافقه ، ويكون المأمور به شرعا ندبا كان أو إيجابا حسنا ، والمباح لا يكون حسنا . الاصطلاح الثالث : التعبير بالحسن عن كل ما لفاعله أن يفعله ، فيكون المباح حسنا مع المأمورات ، وفعل الله يكون حسنا بكل حال . وهذه المعاني الثلاثة كلها أوصاف إضافية وهي معقولة ، ولا حجر على من يجعل لفظ الحسن عبارة عن شئ منها ، فلا مشاحة في الألفاظ ، فعلى هذا إذا لم يرد الشرع لا يتميز فعل عن غيره إلا بالموافقة والمخالفة ، ويختلف ذلك بالإضافات ولا يكون صفة للذات ، فإن قيل : نحن لا ننازعكم في هذه الأمور الإضافية ولا في هذه الاصطلاحات التي تواضعتم عليها ، ولكن ندعي الحسن والقبح ، وصفا ذاتيا للحسن والقبيح ، مدركا بضرورة العقل في بعض الأشياء ، كالظلم والكذب والكفران والجهل ، ولذلك لا نجوز شيئا من ذلك على الله تعالى لقبحه ، ونحرمه على كل عاقل قبل ورود الشرع ، لأنه قبيح لذاته ، وكيف ينكر ذلك والعقلاء بأجمعهم متفقون على القضاء به من غير إضافة إلى حال دون حال ؟ قلنا : أنتم منازعون فيما ذكرتموه في ثلاثة أمور : أحدها : في كون القبح وصفا ذاتيا . والثاني : في قولكم أن ذلك مما يعلمه العقلاء بالضرورة . والثالث : في ظنكم أن العقلاء لو توافقوا عليه لكان ذلك حجة مقطوعا بها ، ودليلا على كونه ضروريا . أما الأول : وهو دعوى كونه وصفا ذاتيا فهو تحكم بما لا يعقل ، فإن القتل عندهم قبيح لذاته ، بشرط أن لا تسبقه جناية ولا يعقبه عوض ، حتى جاز إيلام البهائم وذبحها ، ولم يقبح من الله تعالى ذلك ، لأنه يثيبها عليه في الآخرة ، والقتل في ذاته له حقيقة واحدة لا تختلف ، بأن تتقدمه جناية أو تتعقبه لذة ، إلا من حيث الإضافة إلى الفوائد والاغراض ، وكذلك الكذب كيف يكون قبحه ذاتيا ، ولو كان فيه عصمة دم نبي بإخفاء مكانه عن ظالم يقصد قتله لكان حسنا بل واجبا يعصى بتركه ؟ والوصف الذاتي كيف يتبدل بالإضافة إلى الأحوال . وأما الثاني : وهو كونه مدركا بالضرورة وكيف يتصور ذلك ونحن ننازعكم فيه ؟ والضروري لا ينازع فيه خلق كثير من العقلاء ؟ وقولكم أنكم مضطرون إلى المعرفة وموافقون عليه ، ولكنكم تظنون أن مستند معرفتكم السمع ، كما ظن الكعبي أن مستند علمه بخبر التواتر النظر ، ولا يبعد التباس مدرك العلم ، وإنما يبعد الخلاف في نفس المعرفة ، ولا خلاف فيها ؟ قلنا : هذا كلام فاسد ، لأنا نقول يحسن من الله تعالى إيلام البهائم ، ولا نعتقد لها جريمة ولا ثوابا ، فدل أنا ننازعكم في نفس العلم . وأما الثالث : فهو أنا لو سلمنا اتفاق العقلاء على هذا أيضا لم تكن فيه حجة ، إذ لم يسلم كونهم مضطرين إليه ، بل